السلفية بين العقيدة والسياسة: مراجعة من قلب التجربة

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

هذا المقال شهادة تحليلية وتأملية في مسار الفكر السلفي خلال العقود الأخيرة، من منظور شخصي ومعايشة ميدانية. أهدف من خلاله إلى تسليط الضوء على التحولات التي طرأت على الخطاب السلفي، من التشدد والانغلاق إلى محاولات الموازنة مع معطيات الواقع السياسي والاجتماعي. المقال يتناول أربعة محاور رئيسة: النشأة والانتشار، التحولات السياسية، مراجعة المواقف القديمة، وأخيراً تساؤلات حول مستقبل هذا الفكر في ضوء المتغيرات.

الفئة المستهدفة من هذا الطرح هم مشايخ السلفية عامة، وعلى وجه الخصوص مشايخ شمال لبنان وصيدا، بالإضافة إلى الشباب السلفي بجميع أطيافهم، والدعاة، وطلّاب العلم، بل وكل مسلم يتأمل في واقع الأمة ويريد أن يفهم جذور ما نعيشه اليوم من انقسامات واختلافات، لا سيما ما يتعلق بعلاقة الدين بالواقع والسياسة. يتأمل في واقع الأمة.

أريد الحديث عن موضوع السلفية بين الماضي والحاضر، من خلال تجربتي الشخصية التي تمتد لأكثر من خمسة وعشرين عاماً، منذ وعيت على دخول الفكر السلفي إلى طرابلس – شمال لبنان.

في ذلك الوقت، كانت طرابلس تشهد انتشاراً واسعاً للبدع، والتصوف المبالغ فيه، والدجل، إلى جانب هيمنة بعض الجماعات المنحرفة عقدياً وسلوكياً. وسط هذا الواقع، بدا أن المملكة العربية السعودية – بدعم مباشر أو غير مباشر، متعمد أو غير متعمد – ساهمت في إدخال المنهج السلفي الدعوي إلى بلاد الشام عموماً ولبنان خصوصاً، على خلفية سياسية أو دعوية.

لم أكن أملك دلائل موثقة على هذا الدعم، لكن مظاهر العمل السلفي كانت واضحة: وفرة الكتب والمطويات والأشرطة (الكاسيت)، وتفرغ بعض الدعاة والمشايخ، وتأسيس مراكز دعوية، واعتماد كتب الشيخ محمد بن عبدالوهاب في العقيدة، إلى جانب بروز أسماء مثل الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين، والشيخ الألباني – رحمهم الله جميعاً – كمرجعيات علمية ودعوية. لم تكن هذه النقلة محصورة بمادة علمية، بل انعكست أيضاً على أسلوب التربية والضبط الديني، وفرض نوع من الانضباط داخل البيوت والمساجد.

التأثير العقدي والحديثي

كان لهذا الانتشار أثر إيجابي كبير من الناحية العقدية، فقد ساعد على ترسيخ مفهوم التوحيد، ونبذ الخرافة والدجل، وإزالة آثار التصوف المغالي والشركيات، وتحذير الناس من الشعوذة كقراءة الفنجان، وضرب الرمل، والمندل، وغيرها.

كما ساهمت هذه الدعوة في إحياء علم الحديث، والتمييز بين الصحيح والضعيف، عبر جهود العلماء كالشيخ الألباني والشيخ شعيب الأرناؤوط، مما أحدث قفزة نوعية في وعي الناس تجاه ما يصح وما لا يصح من الأحاديث. لقد انتقلنا من حالة عامة من القبول الأعمى لكل ما يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، إلى منهج علمي في التمحيص والتحقيق.

السياسة بين التجهيل والمنع

ومن المسائل الجديرة بالطرح في هذا السياق، العلاقة بين السعودية والساحة السنية في لبنان. فقد كان واضحاً أن للمملكة دوراً محورياً في دعم العمل السلفي والدعوي في لبنان، سواء من خلال المؤسسات، أو الكتيبات، أو رعاية بعض الشخصيات. وكان هذا الدور – في ظاهره – نافعاً ومؤثراً.

لكن التساؤل الذي راودنا ولا يزال قائماً: هل كانت المملكة تُعد في نظرنا “ولي أمر” لنا، حتى تنطبق عليها الأحكام الشرعية التي تمنعنا من الخوض في السياسة بحجة السمع والطاعة؟ أم أنها دولة مسلمة ذات توجه معين، يحق لنا الاستفادة من دعمها دون أن نُلزم أنفسنا بمنهجها السياسي كاملاً؟

لقد ساد فكر لدى بعض الدعاة أن المملكة هي الراعي الشرعي للسنة في العالم، وبالتالي لا يجوز مخالفتها، ولا الخروج عن توجهاتها، ولو كانت هذه التوجهات تميل إلى ترك العمل السياسي أو تحريمه. لكن من الناحية الفقهية، لم تكن السعودية في موقع “ولي الأمر” للبنانيين السنة، إذ لم تكن تملك سلطاناً عليهم، ولا كانت ضامنة لحقوقهم في حال تعرضهم للظلم، ولا كان ثمة بيعة أو عقد متبادل.

هذا الخلط بين من هو الولي الشرعي ومن هو الداعم السياسي، خلق إرباكاً في المواقف، وأدى إلى تشكيل جيل متردد، لا يرى لنفسه الحق في اتخاذ موقف سياسي مستقل عن رؤية الدولة الداعمة، ولو كانت خارج حدوده الوطنية.

ومن الجدير بالذكر أن المملكة العربية السعودية، رغم دعمها الملموس للعمل السني والدعوي، قد قامت في بعض الفترات بمحاولات لتقريب وجهات النظر مع النظام السوري، لا سيما في مرحلة ما بين 2016 و2018، حين شهدت العلاقات السعودية-السورية محاولات خجولة لإعادة قنوات الاتصال، كان هدفها الأساسي تسهيل أوضاع آلاف المهجّرين السوريين المقيمين في المملكة ودول الخليج، ممن يفتقدون إلى أوراق ثبوتية أو يحتاجون إلى خدمات قنصلية سورية.

ورغم أن هذا التحرك كان يحمل في ظاهره بعداً إنسانياً وإدارياً، إلا أنه خلّف استياءً كبيراً بين أوساط السلفيين والمناصرين للثورة السورية آنذاك، الذين رأوا فيه نوعاً من المساومة السياسية على حساب دماء الشهداء، ووسيلة لإعادة شرعنة نظام دموي.

وقد وثّقت عدة تقارير إعلامية وسياسية (منها تقرير نشرته صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 18 يوليو 2018) وجود محاولات سعودية لتجسير العلاقة مع النظام السوري آنذاك بوساطة روسية، وذلك ضمن ملفات تشمل اللاجئين والتعاون الأمني. ورغم توقف تلك الجهود لاحقاً، إلا أن أثرها بقي واضحاً في ذاكرة كثير من المتابعين للمشهد السياسي والدعوي.

رغم هذا الخير العقدي والمنهجي، إلا أن الدعوة السلفية في طرابلس وغيرها جاءت محمّلة بفكر سياسي إشكالي – إما مقصوداً أو مصاحباً للدعوة دون تمحيص. وظهر تيار يعمد إلى تجهيل الناس بالسياسة أو تحريمها بالكامل، حتى غدا كل من يتكلم في السياسة يوصف بالبدعة أو الانحراف. بل وكان النظر في التاريخ السياسي الإسلامي، أو دراسة الواقع العالمي، أموراً تعد من “المحدثات”.

هذا أدى إلى أزمة، إذ أصبح كثير من أبناء المنهج السلفي فقهاء في العقيدة، وجهّالاً في السياسة، مما أدى إلى عزلة منهجية عن الواقع المعاصر، وفقدان القدرة على التأثير السياسي. نشأت لدى الجيل السلفي عزوف حاد عن دراسة القانون، أو العلاقات الدولية، أو العلوم الإنسانية، بحجة أنها مشبوهة أو غير جائزة.

على سبيل المثال، تم تحريم المشاركة في الانتخابات بكل أنواعها، بل وتكفير المشاركين فيها في بعض الأحيان، بدعوى أنها حكم بغير ما أنزل الله. وتم تخطئة الإخوان المسلمين لأنهم يشاركون في الحياة السياسية. وساد اعتقاد أن طريق التغيير الوحيد هو الطريق العقدي المجرد.

السلفية وتفرعاتها السياسية

ومع مرور السنوات بدأ يتضح ما أعنيه، الاتجاه السياسي للمنهج لم يكن واضحا لذا بدأت تظهر تيارات جديدة داخل السلفية، يمكن تقسيمها على النحو التالي:

  1. السلفية المدخلية (أو الجامية): وهي تيار يبالغ في طاعة الحاكم ويمنع مطلق النقد، بل ويصنّف المخالفين في الرأي ضمن دوائر البدعة أو الخروج. ارتبطت بنشاط قوي في السعودية والخليج، وتبنّت خطاباً حاداً تجاه التيارات الإسلامية الأخرى.
  2. السلفية الجهادية: وتكفّر الأنظمة الحاكمة وتدعو إلى قتالها، وغالباً ما تتبنى مواقف متشددة في الولاء والبراء، وقد خرجت منها تنظيمات كـ “القاعدة” و”داعش”، وواجهت انتقادات بسبب غياب الضوابط الفقهية.
  3. السلفية العلمية التقليدية: وهي التي تركز على طلب العلم الشرعي، والتدريس، ونبذ الخروج والعمل الحزبي، وتُعرف بالاعتدال النسبي لكنها تتجنب السياسة غالباً. يميل أصحابها إلى الوقوف على الهامش السياسي.
  4. السلفية الحركية: ظهرت لدى بعض المجموعات في الخليج والمغرب العربي، تسعى للجمع بين العقيدة السلفية والعمل السياسي، وتشترك مع الإخوان المسلمين أحياناً في الأدوات، لكنها تتميز بالتشديد العقدي.
  5. السلفية الإصلاحية المعاصرة: وهي مدرسة حديثة تحاول التوفيق بين ثوابت العقيدة السلفية والانخراط في الشأن العام ضمن الأطر المدنية المعاصرة، وتسعى إلى تبني خطاب يجمع بين الثبات والانفتاح.
  6. السلفية الاجتماعية الدعوية: وهي سلفية لا تهتم كثيراً بالسياسة أو الشأن العام، بل تركز على السلوك الشخصي، وتنتشر بين عوام الناس بصيغ بسيطة قائمة على منع المنكرات اليومية كالغناء والاختلاط وغيرها.

بين هذه التيارات، كان الجميع متفقاً على الأصول العقدية، ولكن الخلافات استعرَت عند الحديث عن السياسة، المشاركة المدنية، والعلاقة مع الدول داخليا أو خارجيا. بل إن بعض التيارات كانت تكفّر أو تبدّع بعضها البعض على خلفية المواقف السياسية.

واليوم، بعد أن أيد عدد من مشايخ التيار السلفي الرئيس أحمد الشرع ودافعوا عن مواقفه السياسية من منطلق فقه الموازنات والواقع، بدأت تيارات أخرى – من داخل التيار السلفي وخارجه – توجّه انتقادات حادة لهم. فبعض من كان يناصر الفكر السلفي قديماً يرى أن هذا التأييد انقلاب على أصول المنهج السلفي نفسه، ويعتبره تساهلاً خطيراً في قضية الولاء والبراء، بل خروجاً عن مسار السلفية الأصلية التي قامت على المفاصلة العقدية مع كل من لم يطبق الشريعة كاملة. كما أن التيارات الإسلامية غير السلفية، مثل الإخوان والصوفيين، لا تزال تنظر إلى هذا التبدل كنوع من الازدواجية الفكرية، وتعتبره تنازلاً تكتيكياً لا يُعبر عن مراجعة فكرية حقيقية.

أمور كنا نحسبها حراماً

في سياق الحديث عن التحولات الفكرية داخل التيار السلفي، من المهم أن نقف عند جملة من المسائل التي نشأنا على تحريمها تحريماً قطعياً، لكنها اليوم أصبحت موضع مراجعة ونقاش واسع، بل إن بعضها بات من الضرورات التي تفرضها الحاجة الشرعية والواقعية.

قيادة المرأة للسيارة

من المسائل التي رُبينا على تحريمها المطلق هي مسألة قيادة المرأة للسيارة. فقد انتشرت فتاوى وكتب وكتيبات، بل وحتى خطب، تجرّم هذا الفعل، وتعتبره مدخلاً للفتنة والانحلال. وكان الاستدلال الأبرز أن قيادة المرأة تؤدي بها إلى الخروج من البيت دون محرم، وبالتالي إلى الاختلاط المحرم، وأنها تخالف طبيعتها كأنثى.

لكن الواقع أثبت أن تحريم القيادة قد أفضى إلى محاذير أكبر، مثل اضطرار المرأة لركوب سيارة رجل غريب (سائق خاص أو تاكسي)، مما يُعد خلوة محرّمة بنص الفتاوى ذاتها. وهنا تبرز المفارقة: أُغلقت وسيلة أقل خطراً، ففُتحت وسيلة أشد خطراً تحت عنوان الضرورة.

دراسة المرأة وعملها

كذلك، قُدمت فتاوى كثيرة تحرّم عمل المرأة، أو خروجها للدراسة في الجامعة، خاصة في فروع مثل الطب والهندسة والصيدلة. وكان يُنظر إلى دراسة المرأة على أنها مدخل للفتنة والفساد.

لكن مع الزمن، أصبح المجتمع السلفي نفسه بحاجة إلى الطبيبة المسلمة، والمربية المسلمة، والمعلمة المسلمة، والمحاسبة المسلمة… فبدأ التراجع عن التحريم المطلق، وظهر خطاب جديد: “نعم، تدرس لكن بضوابط”، و”تعمل ضمن حدود”، و”يُنتخب لها فروع مناسبة”.

دراسة بعض التخصصات الفكرية

ومن الأمور التي كانت تعد شبه كفرية – في بعض المجالس – دراسة الفلسفة، أو علم النفس، أو القانون، أو حتى التاريخ السياسي. وجرى التحذير من دخول هذه الفروع بحجة أنها تفسد العقيدة، وتزعزع الثوابت.

لكن الحقيقة أن هذا المنع أخرج أجيالاً عاجزة عن فهم الواقع السياسي، ولا تملك أدوات تحليلية لمعالجة الإشكالات المعاصرة. بل إن بعضهم بات يحكم على الأمور بمشاعر لا بعلم، ويُلبس الجهل لباس الورع.

العمل السياسي

كنا نُربّى على أن كل من يترشح لمنصب عام، أو يصوّت في انتخابات بلدية أو نيابية، فهو إما مرتكب لكبيرة أو واقع في الكفر، أو على الأقل مخالف لعقيدة الولاء والبراء. لكن مع تطورات الواقع، وظهور الحاجة الماسة للتمثيل السني في المجالس المحلية والحكومية، بدأت مراجعات هادئة داخل الصف السلفي، وظهر من مشايخ السلفية من يترشح في الانتخابات.

وهكذا، نجد أنفسنا أمام جملة من المسائل التي كانت تُعد من المحرمات القطعية، وقد تبين لاحقاً أن الخلاف فيها واسع، وأن تطبيقاتها الواقعية قد تفرض قولاً مغايراً لما اعتُمد في السابق.

هل يمكن أن نأتي بالشريعة دفعة واحدة؟

من النقاط التي تستحق الوقوف عندها بشدة، الفكرة التي ترسخت في أذهاننا – وخصوصاً في فترات الشباب – أن إقامة الشريعة لا بد أن تكون دفعة واحدة، شاملة وكاملة، وإلا كانت انتقاصاً أو تلاعباً بالدين. غير أن الواقع السياسي والتجارب المعاصرة تثبت أن هذا التصور، رغم مثاليته، قد لا يكون عملياً في غالب الأحوال.

لنأخذ على سبيل المثال التجربة التركية مع الرئيس رجب طيب أردوغان. منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا عام 2002، لم يُعلن أردوغان قيام دولة إسلامية، ولم يُغلق البنوك الربوية فوراً، ولم يُفرض الحجاب فرضاً. لكنه بدأ بخطوات تدريجية في الإصلاح، ففتح المجال للأئمة، وسهّل التعليم الشرعي، ورفع القيود عن الحجاب في الجامعات والمؤسسات الحكومية، وأعاد الاعتبار للمؤسسات الوقفية، بل حتى تحرك على الصعيد الخارجي لخدمة قضايا المسلمين. كل هذا لم يكن ليحدث لو تم رفع شعار تطبيق الشريعة دفعة واحدة منذ اليوم الأول.

وبالقياس، فإن أحمد الشرع – الرئيس الحالي للحكومة السورية – ورغم خلفيته الجهادية والتزامه العقدي، لم يبدأ ولا يمكن أن يبدأ بإغلاق كل البنوك الربوية مباشرة، ولا فرض القوانين الإسلامية بشكل شامل من اللحظة الأولى. من يعرف طبيعة النظام المالي السوري، يدرك أن البلاد كانت مرتهنة لشبكات من المصارف الربوية والاستثمارات الأجنبية، وأن أي خطوة غير محسوبة قد تؤدي إلى انهيار اقتصادي واسع. ومع هذا، لم يُعرف عنه رضا بالربا، بل نُقل عنه امتعاضه من الواقع المالي، وسعيه التدريجي لتوفير بدائل شرعية، بالتعاون مع شخصيات اقتصادية إسلامية.

إذاً، ليست كل مرحلة تُمكننا من إقامة الشريعة دفعة واحدة، وإن كان ذلك غاية من غاياتنا. فإن إقامة الدين على مراحل كان من سُنن الله في التشريع نفسه، كما في تحريم الخمر وغيره. وهكذا يجب أن نفهم ونقيّم بعض قادة المسلمين المعاصرين من خلال ما يستطيعون تغييره فعلاً، لا ما نتمنى أن يفعلوه لو كانت الظروف مثالية.

التحولات في الملف السوري

لقد كان لي شخصياً تجربة مباشرة مع النظام السوري أثناء وجوده في لبنان، فقد تعرضت لبعض المضايقات بشكل غير مباشر، وشهدت بعيني معاناة كثير من الناس من حولي ممن نالهم الضرر المباشر من سلطته. عرفت أُسرًا شُرّدت، وأشخاصًا اعتُقلوا، بل وقُتل بعضهم دون محاكمة أو مبرر. لم يكن الظلم نظرياً أو مجرد أخبار تُتداول، بل واقعاً معاشاً، ترك أثره العميق في الذاكرة والوجدان.

مع بداية الثورة السورية عام 2011، بدأ يتشكل وعي جديد لدى كثير من الإسلاميين، وبرزت الحاجة لمراجعة الموقف من العمل السياسي. وكانت المأساة السورية ميداناً لاختبار الشعارات.

ثم بعد مرور أكثر من 14 عاماً من الصراع، برزت شخصية أحمد الشرع – الرئيس الحالي للحكومة السورية الجديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد عام 2025. الرجل جاء من خلفية جهادية طويلة، ونُقل عنه التمسك بالعقيدة، ومواجهة النظام السابق بكل الوسائل، حتى تحقق له ولرفاقه النصر.

وبعد سلسلة انتصارات متتالية – بدأت من الشمال السوري، مروراً بحلب، ثم حماة، فحمص، وصولاً إلى دمشق – تسلمت القوى الثورية الحكم، وكان أحمد الشرع رمزاً لهذا التحول. وفي أيام قليلة، تغيرت ملامح السلطة، وخرجت المعتقلات، وتحسنت ظروف الناس بشكل نسبي.

كان مشهداً مهيباً حين بدأت طلائع الثوار تدخل الأحياء المهجورة من جنود النظام، وسط صدمة لم يكن يتوقعها أحد. لقد انسحب جيش الأسد من مواقع كثيرة دون مقاومة تُذكر، وظهرت مشاهد توثق هروبهم من نقاطهم العسكرية، وتركهم للأسلحة والمواقع بشكل مرتبك. لقد أصابهم الرعب، وهربوا من وجه رجل عرفوه وعرفوا صلابته منذ أيام الجهاد الأولى، فكان مجرد ذكر اسم أحمد الشرع بين الجنود سبباً في إخلاء الثكنات، وارتباك القيادات.

لقد تحقق قول النبي صلى الله عليه وسلم: “نُصرت بالرعب مسيرة شهر”. وكان لهذا الرعب أثر بالغ، ليس فقط في سقوط المواقع، بل في انهيار المعنويات وتسارع التفكك في بنية النظام. وكأن الله تعالى ألقى في قلوبهم الرعب من رجل لا يملك طائرات، ولا غطاء دولي، بل يملك إرادة لا تنكسر، وقضية لا تُساوَم.

وما أدهشني – وأدهش كثيرين – أنه بعد أيام قليلة فقط من تحرير دمشق، وخروج كثير من النساء المظلومات من سجون النظام، خرجت مظاهرة علمانية تطالب بما سموه “تحرير المرأة”. كانت النساء أنفسهن قد قضين سنين طويلة خلف القضبان، بعضهن أنجبن في السجن، وتعرضن لأبشع أنواع الانتهاكات. ورغم ذلك، لم نسمع من تلك الجهات العلمانية احتجاجاً حينها. فلما سقط النظام، وارتفعت راية الهيئة، خرجوا يطالبون بإزالة الحجاب، وتحرير المرأة من القيود! أي تناقض هذا؟ هل كان الظلم مقبولاً حين أسكتكم بالقوة وحين سُمح لكم الكلام رفعتم صوتكم في وجه من فكّ عنكم اللجام؟! أما إذا جاء الفرج على يد رجال مصلحين، فصار الخطر هو القيم التي يحملونها لا الظلم الذي كسروا قيوده؟

التساؤل الجوهري

هنا أضع تساؤلاتي:

  • هل تأييد شخصية مثل أحمد الشرع، ودعمه، يمثل تراجعاً عن العقيدة السلفية أم تطوراً محموداً في الفهم السياسي؟
  • هل يمكن الجمع بين التمسك بالعقيدة، والانخراط في العمل السياسي؟
  • هل من العدل الحكم على من يمدح حاكماً جديداً – كأحمد الشرع – بالخروج عن المنهج، أم أن فقه الواقع والسياسة يفرض نمطاً جديداً من التعاطي؟

لقد تابعت مواقف عدد من المشايخ السلفيين الذين ظلوا لعقود بعيدين عن السياسة، وإذا بهم الآن يدافعون عن أحمد الشرع، ويبررون مواقفه من باب فقه الموازنات، وتغير الواقع، وسد الذرائع. تغيّر خطابهم، بل تغيّرت مرجعياتهم السياسية. وهذا يحفّز على إعادة تقييم شاملة.

هل هذا تحول صحيح؟ هل هذا انفتاح سياسي صحي، أم فتنة جديدة؟ وهل نحن أمام لحظة نضج سياسي، أم لحظة انزلاق؟

ما العمل؟

إزاء كل هذه التحولات والتحديات، ما هو المطلوب عملياً؟

  1. أولاً، لا بد من إعادة النظر في الخطاب السلفي، خصوصاً ما يتعلق بالسياسة، والعمل على إحياء فقه الواقع وفقه الموازنات.
  2. ثانياً، من الضروري إعداد نخب شرعية مدربة على الفهم السياسي، قادرة على التعامل مع الواقع دون التفريط في العقيدة.
  3. ثالثاً، يجب دعم القادة المسلمين الذين يجتهدون في خدمة الأمة، مع محاسبتهم عند الخطأ، ونصرهم عند الإصابة، دون تأليه أو تخوين.
  4. رابعاً، تعزيز التعليم السياسي والشرعي المتوازن في المحاضن التربوية، حتى لا نظل نُخرّج طلاب علم يعيشون في قوقعة، بعيداً عن أدوات التأثير والبناء.
  5. خامساً، أدعو إلى عقد اجتماع موسّع يضم كبار مشايخ السلفية، ووجهاء الدعوة، وطلبة العلم البارزين، لتشكيل لجنة علمية-سياسية مرجعية. تكون مهمتها الأساسية بناء وعي سياسي سلفي معاصر، يخرج من الانعزال إلى التأثير.
  6. سادساً، تنبثق عن هذه اللجنة لجان تنفيذية تعمل بشكل جاد على دعم النظام السوري الجديد بقيادة الرئيس أحمد الشرع، وتعتبر هذا الدعم واجباً شرعياً في هذه المرحلة، لما يمثله من كسر للظلم وتمكين للمستضعفين ورفع لراية الحق.
  7. سابعاً، لا بد أن تشمل أشكال الدعم الجوانب الشرعية، والسياسية، والإعلامية، والإغاثية، وغيرها، من أجل تثبيت هذا النظام الناشئ، والحيلولة دون إسقاطه أو تشويهه من قبل الأعداء في الداخل والخارج.

مصادر وهوامش توثيقية

  • الشرق الأوسط، 18 يوليو 2018: تقرير حول محاولات تقارب سعودية مع النظام السوري بوساطة روسية ضمن ملف اللاجئين والتعاون القنصلي.
  • الجزيرة نت، أرشيف أخبار الثورة السورية: توثيق تطورات مراحل التحرير من 2012 حتى 2025.
  • الموقع الرسمي لحزب العدالة والتنمية التركي: التسلسل الزمني لوصول أردوغان إلى الحكم وخطوات الإصلاح التدريجي.
  • بحوث ودراسات الشيخ شعيب الأرناؤوط (المعهد العالمي للفكر الإسلامي): جهود التحقيق الحديثي.
  • فتاوى اللجنة الدائمة بالمملكة العربية السعودية (المجلد المتعلق بأحكام المرأة): فتاوى حول قيادة المرأة للسيارة وعملها.
  • موقع الإمام ابن باز رحمه الله، سُئل: هل :النّصر بالرعب: خاصٌّ بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأجاب: لا، ومن تبعه إلى يوم القيامة.

الخلاصة: دعم أحمد الشرع

إن دعمنا لأحمد الشرع – الرئيس الحالي للحكومة السورية بعد زوال نظام الأسد – ليس من باب التبعية أو الهوى، وإنما من باب قراءة المشهد بعقلانية ووعي. الرجل لم يأت على ظهر دبابة أمريكية، ولم يُفرض على الشعب، بل هو ابن المعاناة الجهادية والسياسية، وقد كان له دور كبير في إسقاط طاغية دمشق.

أحمد الشرع – سواء اتفقت معه أو اختلفت – يمثل فرصة لإعادة بناء سوريا، وإنهاء حكم البعث الجائر. وإذا كان قادراً على الجمع بين فهم الدين والتعامل مع الواقع، فحريٌّ بنا أن نُسانده بما لا يُخلّ بثوابتنا.

دعوتي إلى مشايخ السلفية في لبنان خاصة، وسائر بلاد المسلمين: أعيدوا النظر في التوجه السياسي للمنهج السلفي، حتى لا تخرجوا جيلاً من علماء العقيدة، وجهّال في فهم السياسة والواقع. واجعلوا السياسة من فروض الكفايات، لا من المكروهات.

والله تعالى أعلم.

وكتبه شادي المرعبي

بتاريخ 20 ذو القعدة 1446 هـ

الموافق له 18 مايو 2025 م

ملبورن – أستراليا

قم بكتابة اول تعليق

اترُك تَعلِيقًا

لَن يَتُمَّ نَشرُ بَرِيدِكَ الإلكترُونِي فِي العَلَن